إلى أين انتهت المهانة بالعرب والمسلمين؟… إسرائيل تضرب حيث شاءت ومتى شاءت

بقلم : عبدالله صالح الحاج
ما أشدّ الفجيعة حين ترى السماء العربية والإسلامية مستباحة، تُخترقها الطائرات الإسرائيلية كما تشاء، وتُمطرها بالصواريخ متى أرادت، فلا تجد أمامها إلا الصمت المطبق، والرضوخ المخزي، وكأن الأمة قد خُلعت من جلدها، وفقدت ما تبقى من كرامتها وعزتها.
غزة تُقصف ليل نهار، دماء أطفالها أنهار، بيوتها تُسوى بالأرض، ولا يرف جفن لعواصم تدّعي العروبة والإسلام. لبنان يتلقى الضربات، سوريا تُستباح، العراق يُستهدف، واليمن يذوق مرارات القصف المباشر على موانئه ومطاراته، فيما تُضرب إيران في عمقها. وأمام هذا الطوفان من العدوان، يظل السؤال المزلزل يتردد: إلى أي قاع من المهانة هبطت هذه الأمة؟
اليمن، برغم جراحه، كان الاستثناء الذي كسَر المعادلة، فحين تمادت إسرائيل وأمريكا في استهدافه، لم يرفع راية الاستسلام، بل رفع راية البحر الأحمر بيد من حديد، وأغلق موانئ العدو، وقطع شرايينه البحرية، في رسالة للعالم أن الإرادة الحية لا تُقهر مهما حاصرها الجوع والدمار.
وفي المقابل، تنشغل عواصم عربية بالرقص على أوتار التطبيع، وبتقديم فروض الولاء والطاعة لواشنطن وتل أبيب، حتى غدت بعض الأنظمة جسرًا يعبر منه العدو نحو عمق الأمة، بدلاً من أن تكون حصنها المتين.
لقد صرنا أمام مشهد تاريخي بالغ الخطورة: احتلال يضرب بلا حساب، وشعوب عربية تئن تحت مقصلة الفقر والتضليل الإعلامي، وحكومات تسير عكس التيار، بينما المقاومون في غزة وصنعاء وبيروت وحدهم يكتبون بدمائهم معاني الكرامة.
فأين النصر؟ أين الغيرة؟ أين جيوش الجرار التي لم تتحرك إلا لقمع شعوبها؟ وكيف صار الدفاع عن فلسطين واليمن وإيران جريمة في عرف بعض الحكام؟
إن ما يحدث ليس مجرد عدوان عابر، بل هو إعلان عن موت الضمير العربي الرسمي. لكن الأمة ليست جثة هامدة، فما زالت فيها نبضات حياة، وما زالت الشعوب تثور وتهتف وتصرخ نصرة لغزة والشعب الفلسطيني، نصرة لليمن المقاوم، نصرة لكل جبهة ترفع راية الكرامة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد ضعف عابر، بل هو انحدار خطير نحو هاوية لا قرار لها. فإذا بقيت الأمة العربية والإسلامية على هذا الخنوع، فإن العدو لن يكتفي بقصف غزة أو صنعاء أو دمشق أو بيروت، بل سيمتد ليفرض وصايته على كل عاصمة عربية، حتى تصحو الشعوب لتجد أن خرائطها قد مُزقت، وثرواتها قد نُهبت، وسيادتها قد مُسحت من الوجود.
إنها ليست معركة حدود، بل معركة وجود، ومعركة هوية، ومعركة بقاء. وإذا لم ينهض العرب والمسلمون اليوم، فغداً سيستيقظون على واقع أشد قسوة: إسرائيل ليست “العدو البعيد” بل الغاصب الذي يسكن بيننا، يقرر متى نعيش ومتى نموت.
فإما أن يكون لهذه الأمة موقف يليق بتاريخها وقرآنها ورسالتها، وإما أن تُكتب في صفحات التاريخ أمة خانعة خانت نفسها قبل أن تخون قضاياها. وما أشد وقع السؤال حينها: هل انتهت المهانة إلى حدّ أن نصبح شهود زور على موتنا البطيء؟
كاتب المقال : محلل سياسي يمني
اكتشاف المزيد من أخبار السفارات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.